حبيب الله الهاشمي الخوئي
80
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وما هو ألطف من الجن كالملك وما هو ألطف منه . ثمّ لو فرض أن يتمثل الملك أو يتجسد أو يتجسّم بحيث عاينه النّاس لكان في صورة البشر أيضا للوجهين المتقدّمين قال عزّ من قائل : * ( وَلَوْ جَعَلْناه ُ مَلَكاً لَجَعَلْناه ُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ) * . ولذلك كان جبرئيل عليه السّلام يأتي النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله في صورة دحية الكلبي . والملائكة الذين دخلوا على إبراهيم في صورة الضيفان حتى قدم إليهم عجلا جسدا وكذلك الَّذين أتوا لوطا وكذلك لما تسوّر المحراب على داود الملكان كانا في صورة رجلين يختصمان إليه وجبرئيل تمثل لمريم بشرا سويّا نعم يمكن للأنبياء ان يروا بقوتهم القدسيّة الملائكة وأشباههم على صورتهم الأصلية كما جاءت عدّة روايات ان خاتمهم صلَّى اللَّه عليه وآله رأى جبرئيل على صورته الأصليّة مرّتين وسيأتي الكلام في ذلك في خواص الأنبياء . الوجه الثالث النبي لو كان ملكا وإن تجسم بشرا لما يتم الحجة على النّاس ولا يسلمه العقول ولا تنقاده النفوس لأنه ان ظهرت أية معجزة منه لقالوا لو كان لنا مثل ما كان لك من القدرة والقوة والعلم وغيرها من الصفات القاهرة على صفات البشر لفعلنا مثل فعلك فتقوى الشبهات من هذه الجهة وبذلك علم ضعف ما تخيّل ضعفاء العقول من النّاس أنّ الأنبياء إذا كانوا من طائفة الملائكة من حيث إن علومهم أكثر وقدرتهم أشدّ ومهابتهم أعظم وامتيازهم عن الخلق أكمل والشبهات والشكوك في نبوّتهم ورسالتهم أقل والحكيم إذا أراد تحصيل مهم فكلّ شيء كان أشدّ إفضاء إلى تحصيل ذلك المطلوب كان أولى . وهذه الوجوه الثلاثة ما أجاب بها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله مشركي القريش لمّا جادلوه واحتجوا عليه بقولهم : لو كنت نبيّا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده ولو أراد اللَّه أن يبعث إلينا نبيّا لكان إنّما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا كما هو المروي في الاحتجاج للطبرسي رضوان اللَّه عليه والبحار وكثير من كتب الحديث : انّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله كان قاعدا ذات يوم بمكَّة بفناء الكعبة إذا اجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم الوليد بن المغيرة المخزومي وأبو البختري بن هشام وأبو جهل بن هشام